الصالحي الشامي

68

سبل الهدى والرشاد

الثاني عشر : قال السهيلي : خص الذهب لكونه مناسبا للمعنى الذي أريد به فإن نظرت إلى لفظ الذهب فمطابق للذهاب ، فإن الله تعالى أراد أن يذهب عنه الرجس ويطهره تطهيرا وإن أنظرت إلى معنى الذهب وأوصافه وجدته أتقى شئ وأصفاه يقال في المثل : - أنقى من الذهب ) وقالت بريرة في عائشة رضي الله تعالى عنها : ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر . وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه في صلة - بكسر الصاد المهملة - ابن أشيم - بالشين المعجمة - وزن أعلم : إنما قلبه ذهب . وقال جرير بن حازم رحمه الله تعالى ، وهو بالحاء المهملة والزاي ، في الخليل بن أحمد : إنه لرجل من ذهب . يريد النقاء من العيوب . فقد طابق طست الذهب ما أريد بالنبي صلى الله عليه وسلم من نقاء قلبه . ومن أوصاف الذهب أيضا المطابقة لهذا المقام : ثقله ورسوبه فإنه يعجل في الزئبق الذي هو أثقل الأشياء فيرسب . والله سبحانه وتعالى يقول : ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) [ المزمل 5 ] وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : إنما ثقلت موازين المحقين يوم القيامة لاتباعهم الحق وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا . وقال في أهل الباطل بعكس ذلك . وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه الوحي وهو على ناقته فثقل عليها حتى ساخت قوائمها في الأرض . فقد طابقت الصفة المعقولة الصفة المحسوسة . ومن أوصاف الذهب أيضا : أنه لا تأكله النار ، وكذلك القرآن لا تأكل النار يوم القيامة قلبا وعاه ولا بدنا عمل به . قال عليه الصلاة والسلام : ( لو كان القرآن في إهاب ثم طرح في النار ما احترق ( 1 ) ) . ومن أوصاف الذهب المناسبة لأوصاف القرآن والوحي : أن الأرض لا تبليه وأن الهواء لا يذريه وكذلك القرآن لا يخلق على كثرة الرد ولا يستطاع تغييره ولا تبديله . ومن أوصافه أيضا : نفاسته وعزته عند الناس . وكذلك القرآن والحق عزيزان ، قال تعالى : ( وإنه لكتاب عزيز ) [ فصلت 41 ] . فهذا إذا نظرت إلى أوصافه ولفظه فإن نظرت إلى ذاته وظاهره فإنه زخرف الدنيا وزينتها ، وقد فتح بالقرآن والوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته خزائن الملوك وتصيير ذلك إلى أيديهم

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 155 والطبراني في الكبير 6 / 212 وابن عدي في الكامل 1 / 46 والعقيلي في الضعفاء 2 / 295 وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 161 وعزاه لأحمد وأبو يعلى الطبراني وقال : فيه ابن لهيعة وفيه خلاف وفسره بعض رواة أبي يعلى بأن من جمع القرآن ثم دخل النار فهو شر من الخنزير .